Entre Zinedine ZIDANE et Mohamed YOUNES

... sur le passe, le present et l'avenir du monde berbere.

Modérateur: amusniw

Entre Zinedine ZIDANE et Mohamed YOUNES

Messagede mbibany » Mer Jan 24, 2007 09:45

محمد يونس و زين الدين زيدان




تحاليل





حصيلة الأمة لسنة 2006




[size=184]

بقلم: د. مصطفى بن حموش*


و نحن في زمن العولمة و تحول الكرة الأرضية إلى قرية كبيرة فقد أصبحت الأمم حسب قول المؤلف الأمريكي جويل كوكتيل قبائل كبرى تتنافس فيما بينها في كل المجالات على الصدارة مثلما يحدث في حصد ميداليات الألعاب الأولمبية. كما أصبح العالم سوقا كبرى يقدر فيها كل شيء بقيمته المالية، بما فيها الرياضة و الاكتشافات العلمية.


و لذلك فإن العالم يذكر سنة 2006 أمة المسلمين بزين الدين زيدان و محمد يونس الذين تصدرا قائمة مشاهير العالم و تداولت أسماؤهما وكالات الأنباء العالمية. و بالإضافة إلى اسميهما اللذان لا يخفيان انتماءهما على الأقل وراثيا إلى الإسلام فقد حظي بلداهما البنغلادش و الجزائر بالذكر و دخلا في سجل البلدان المؤثرة في أحداث العالم للسنة الفارطة. إن المسافة طبعا كبيرة بين الشخصيتين العالميتين كما هي المسافة بين الجزائر و البنغلادش. لكن ما ذكرناه سابقا يدفع عنا تهمة التعسف في الربط بينهما. كما نستثني هنا جائزة نوبل الأخرى التي منحت للروائي التركي باموك أورخان التي استقبلتها تركيا قيادة و مجتمعا بالاحتجاج نظرا لحمولتها الإيديولوجية و أبعادها السياسية.


ففي الوقت الذي احتفلت الجزائر بزيارة بطلها زين الدين زيدان بلده و مسقط رأسه، و منحت فيه وسام الشرف الأعلى للدولة عرفانا بأدائه في لعب كرة القدم على المستوى العالمي، كانت هناك البنغلادش، الدولة المسلمة الأفقر في العالم قد استقبلت عالمها الاقتصادي السيد محمد يونس بحفل وطني بعد أن عاد من السويد بجائزة نوبل عرفانا بما قدمت نظريته عن القروض المصغرة من أمل في التنمية الاقتصادية و انتشال الكثير من فقراء العالم من براثن الفقر و التخلف.


و لقد كان تفاعل الشارع الشعبي معهما كل في بلده كبيرا. و قد استغلت شهرتاهما لدى وسائل الإعلام الوطنية و حتى في أعلى مستويات الدوائر السياسة في نفخ الروح الوطنية و الاعتزاز بالذات و التأكيد على خصوبة تلك البلدان في ولادة المشاهير. فقد قلّد الرئيس في الجزائر خلال تكريم رسمي الوسام الشرفي الأعلى للدولة. كما أقيم، حسب وكالة البي بي سي، عرس وطني في البنغلادش خرجت فيه الجماهير إلى الشوارع و هتفت بحياة محمد يونس في داكا و غيرها و تناقلته وسائل الإعلام الحدث ليرى العالم من أين خرج هذا المفكر الكبير.


إن سيرة كلا الشخصيتين تبيّن ما يتميزان به من تواضع في مجتمعاتهما و الوصول إلى قمة الهرم عن طريق العمل الشاق و الدؤوب منذ الطفولة. فلم تكن الشهرة ثمرة الموهبة وحدها، بل كان هم الخروج من المحنة الهاجس الرئيس الدافع لكل منهما. فقد عاشا طفولة صعبة نتيجة وضع تاريخي و جغرافي قاس لكل منهما، و هو نفس الوضع الذي دفعهما لتحقيق ذاتيهما و وصولهما إلى قمة هرم الشهرة التي هي أمنية كل طموح مهما كان مجاله.


لقد ولد زين الدين زيدان في إحدى أحياء مرسيليا الفقيرة التي تجمع المهاجرين الجزائريين الفقراء الذين هربوا من مناطق القبائل التي أحرقتها فرنسا خلال حرب التحرير، حيث عمل أبوه في الميناء ليضمن قوت يوم أولاده الخمسة. و مع بساطة الوالدين حيث كانا أميين فإني أتصور أنهما كانا يتركان أبناءهما مطلق الحرية في قضاء الوقت بعد المدرسة في الشارع طيلة اليوم. و قد كان زيزو يجد في تلك اللحظات بغيته في إمتاع أصدقائه بإبداعاته في لعب الكرة. و لشدة فقره فقد كان يلعب حافي القدمين، و لم يلبس حذاء رياضيا إلا بعد أن بلغ السن الرابعة عشر، و قد اضطر أبوه لأداء عمل إضافي ليشتري له الحذاء الرياضي، الذي اعتبره بطلنا هدية العمر. و قد بدأ مشوار شهرته بعد أن تألق في إحدى المناسبات التي لعب فيها مع فريق "كان" الفرنسي الصغير ضد فريق مرسيليا العتيد مما جذب إليه الأنظار لتتقاذفه الأندية و تصنع منه نجما أوروبيا ثم عالميا اختتم حياته الرياضية بإهداء كأس العالم للفريق الفرنسي ثم تتويجه كأحسن لاعب كرة في العالم. و لولا نطحته للاعب الإيطالي الذي يكون قد خطط لذلك عن سبق معرفة بنفسية زيدان الحادة، التي يشترك فيها مع أبناء شعبه الجزائريين، لكان أهدى لفرنسا كأسا عالمية ثانية.


و لعل أسئلة غير برئة تتبادر إلى الذهن: لماذا لم يلعب زيدان أبدا مع الفريق الجزائري، بل و لماذا لم يزر بلاده إلا نادرا و بعد إلحاح و ترج من رئيس الدولة، و لماذا لا يذكر بلاده و أصله أبدا في مقابلاته الصحفية. لقد ذهبت بعض الصحف العربية ? صدى الأسبوع بالبحرين عدد 1589 ليوم 24 يناير 2004- إلى اعتبار زيدان ليس عربيا (و لا أمازيغيا). و عللت ذلك بحالته النفسية التي ارتبطت بما حدث له منذ صباه من رفض مدير نادي كان الفرنسي القاطع "قبول صبي عربي قذر" في فريقه، مما دفع بزيدان الصغير آنذاك أن يبحث عن مولد جديد كصبي فرنسي و العيش ليس مع أبيه الجزائري المهاجر و لكن في بيت رجل فرنسي اكتشفه هو " جان كلود إلينيو" فيتربى مع أبنائه. و بعد نيله الشهرة العالمية ازداد الضغط أكثر مع صعود اليمين المتطرف الذي رفض نتائج استفتاء قامت به بعض الصحف الفرنسية التي اكتشفت أن زيدان العربي الأصل أصبح يتصدر قائمة الشخصيات الأكثر شعبية في فرنسا، مخلفا وراءه رئيس الدولة شيراك و حتى الأب القسيس لابي بيير محبوب الجماهير الذي عاش حياته لمساعدة الفقراء. و نعتقد بالإضافة إلى ذلك كله أن أمر ضعف ارتباط زيزو ببلده الأصلي يعود إلى عقلية الجيل الثاني من المهاجرين الذي انسلخ معظمهم عن وطنهم الأم بفعل ولادتهم في المهجر و عقدة المواطنة ثم قساوة العيش في بلادهم التي لا تذكرهم إلا بالفقر و الفاقة. و يأتي زواجه من الإسبانية و تسمية أولاده بأسماء غربية لتؤكد ذلك الانسلاخ. غير أن بكاءه المرّ حين وصل إلى مسقط رأسه في منطقة بجاية تبين كذلك مدى التمزق الذي يعيشه بين أصله الجزائري العريق و حاضره الفرنسي الزاهر. كما يدفع اعتزازه بكونه مسلما أمام الصحافة و التزامه بأحكامه أية شبهة عن انفصامه الديني عن أمته.


أما محمد يونس فقد عاش في بلده عندما كان شابا و برع في دراسته مما منحه فرصة إكمال الدراسة في جامعة ميشيغان بأمريكا و المكوث فيها سبع سنوات. و رغم المغريات التي قدمتها له أمريكا للعيش فيها و العمل في جامعاتها كأستاذ مرموق فقد فضل أن يعود إلى بلده و يتشبث بجذوره فيبدأ حياته كمدرس في جامعة داكا.و قد وجد الفقر الرهيب يمسح الجموع البشرية من الوجود فيرميها أشلاء في الطريق، بسبب المجاعة التي أعقبت استقلال البنغلادش. و لذلك فقد عاش محمد يونس في بلاده و عايش تلك الأزمة بوجدانه يفكر في كيفية إخراج أبناء شعبه من تلك الأزمة. و في إحدى الحصص التلفزيونية التي بثتها القناة الجغرافية ذكر محمد يونس زيارة له إلى مبنى تاج محل بالهند و هو شاب، فرأى كيف كان معلمه يبكي بكاء حارا أمام المبنى و فهم مدى تضييع المسلمين لأمجادهم التي قادتهم لبناء مثل هذه التحف الفنية العالمية. و سرعان ما أدرك أن مقاعد الجامعة و كتبها المستوردة و النظريات الكبرى في الاقتصاد التي كان يدرسها لطلبته لا تصلح كثيرا في تحسين ظروف بلده. و هكذا و بحدسه الذي ظل يراقب مصدر الفقر، وجد أن الكثير من الفقراء يتمتعون بمواهب هائلة و اندفاع للعمل لكنهم يفتقدون إلى رأس المال صغير يحققون به مشاريعهم. فقد وجد في إحدى القرى أن بعض النساء كنا يصنعن كراس جميلة من قصب البامبو ثم يأخذنها لأحد التجار المرابين ليبيعها، و حينما سئلن عن سبب ذلك قلن له أن ذلك التاجر يعيرهن قليلا من الفلوس لا تتجاوز قيمتها الدولار و النصف في اليوم فيشترين بها المواد الخام و يوفرن منها ما بقي للعيش اليومي. و حينما سئل عن ثمن تلك الكراسي في السوق وجد أن قيمتها تعادل أضعاف ما يأخذن من التاجر. فاقترح عليهن أن يخلصهن من أولئك التجار و أن يقرض لهن نفس المبلغ و أن يقمن ببيع مصنعاتهن بسعر السوق مباشرة. و ما إن دار الحول حتى تحسنت ظروفهن، مما دفع بمحمد يونس لأن يوسع دائرة التجربة و أن يفتح لنفسه بنكا للفقراء "بنك غرامين" الذي اشتهر أنه يقرض النساء الفقيرات مبلغا صغيرا من المال لأجل قصير. و قد تحول البنك بعد سنوات إلى شبكة تغطي ما يزيد عن ستين قرية ثم ثلاثمائة قرية إلى أن وصل عدد زبائنه إلى الملايين. و قد انبثقت من هذه الممارسة الميدانية فكرة القروض المصغرة و المؤسسات الصغيرة التنمية الميكرو اقتصادية، التي تبنتها فيما بعد الأمم المتحدة.


بعد هذا فإننا مضطرون إلى الفصل بين مجالي كل من زيدان و محمد يونس بصورة عقلانية جافة. حيث يجب القول أن المجال الذي برع فيه محمد يونس حيوي و أساسي. فقد رسم طريقا للخروج من التخلف و إنقاذ الملايين من براثن الفقر والفاقة، و دفع عجلة الاقتصاد المحلي بالبنغلادش إلى الأمام. في حين يبقى المجال الذي برع فيه زين الدين زيدان لا يعدو في كل الأحوال أن يكون ترفيهيا يصلح للتسلية و الترويح في آخر الأسبوع كما هو معهود لدى كل مجتمعات العالم، التي تتابع المباريات على الشاشة أو في الملاعب لنسيان ثقل الشغل خلال أيام الأسبوع. و من المؤسف حقا أن يتشابك المجالات في المجتمع و السياسة بصورة غير لائقة في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية. فكثيرا ما تخرج كرة القدم من مجالها الرياضي الهادف إلى نوع من مخدر للمجتمع الشبابي خاصة في البلدان التي تعاني البطالة و الأزمات الاجتماعية حيث تشغل أخبار الكرة و نجومها باستمرار العدد الهائل من الشباب الذين يملؤون عقولهم بها. و لا نذهب بعيدا لتأكيد ذلك بتلك الثقافة العقيمة التي تملأ صحفنا يوميا، و الموجهة للشريحة الهائلة من شبابنا الذين يملؤون أذهانهم بأسماء اللاعبين المشهورين و الصفقات التي عقدوها مع الأندية و نتائج المقابلات منذ نشأة كرة القدم و قائمة البلدان والأندية الفائزة بالكؤوس.

و من حسن الحظ أو سوءه ألا تكون هناك إحصائيات لمعرفة مدى تأثير ثقافة كرة القدم في التسيب المدرسي و الإهمال في مختلف مجالات الحياة المدنية. فلا تجد شارعا أو ساحة يلعب فيها الأطفال كرة القدم في ربوع الجزائر مثلا إلا و فيها من يقلّد زيدان في لعبه، فيجري و هو يعلق على نفسه "زيدان يراوغ، زيدان يسجل هدف!" مما يجعل من منظور علماء النفس هذا الإفراز يعكس ما ترسخ في ذهن الأطفال من مثل أعلى يصبون إليه و ينذرون حياتهم له.


إنه لو قدر لنا أن نؤسس مدارس لتصنع أمثال زيدان و أخرى لأمثال محمد يونس فإنه بالتأكيد ستكون صناعة عشرة محمد يونس أفيد بكثير من صناعة عشرة من زيدان. ذلك بأنه من المؤكد أن أمثال محمد يونس سيساهمون حتما في إخراج بلدانهم من التخلف بل و صناعة أمثال زيدان بتوفر المال و الظروف المادية لذلك، بينما سيكون لصناعة أبطال مثل زين الدين زيدان شهرة في العالم و زيادة في سعادتنا اللحظية لكنه لن يخرجنا من التخلف و المآسي اليومية. و لعل مدرسة البرازيل العريقة في صناعة المشاهير مثل بيلي خير دليل على وضع البلد الذي تسود فيه الكرة.


و من هذا المنظور السوسيولوجي فإن تكريم زيدان ستكون له دلالات اجتماعية و إسقاطات ثقافية لا يمكن إهمالها عندما يوضع في سياق مشوه، سيؤدي ببساطة إلى طمس سلّم القيم و الهيكل التراتبي الذي تنتظم به الأشياء في عقول الأفراد خاصة الشباب، بالتشويش على طموحاتهم و أولوياتهم و تربيتهم و حتى فطرتهم الراسخة. لقد نشرت جريدة الشروق الجزائرية منذ شهر دراسة قام بها مهندس شاب متخرج حول صفقة عقدها لاعب كرة جزائري لم يكمل دراسته الثانوية مع فريق سعودي، فوجد أن مبلغ العقد يغطي رواتب مئات المهندسين مجتمعين طول حياتهم.


و لعل المتألم الأكثر في مجتمعنا بدافع الحسرة (أو الحسد) هم المفكرون و العلماء الذين يرون في البلاد التي تكرم فيها الأقدام قبل العقول غير جديرة بالعيش فيها.


و هكذا ففي حين لا يجد أكبر الباحثين و الأدباء المهاجرين الذين تركوا البلاد بسبب الأزمة السياسية و العشرية الحمراء من يستقبله في المطار أو من يودعه حتى من أبسط مديري وزارات الثقافة و التعليم، و من يساعده على حمل أثقال الكتب التي تذهب و تعود معه لاحتياجها له في أبحاثه، فقد حضي زين الدين زيدان بدعوة رسمية من رئيس الدولة و أرسلت له الطائرة الخاصة به، و استقبله الصحافيون و إطارات وزارات الرياضة و الشباب و الثقافة بمن فيهم الوزراء و تدافعوا عليه بالمناكب لعل أحدهم يفوز بمصافحة أو صورة معه. أما الباقون من المفكرين و الأدباء و الأكاديميين داخل البلد فبالإضافة إلى عيشتهم الضنك التي ترتبط بمرتباتهم الزهيدة، فهم لا يستشارون حين يكونون حاضرين حتى في مسائل تخصهم، و ليكن مهرجان الثقافة العربية و إصلاح الجامعة و التعليم الأساسي، حيث تغلّب عليهم أصحاب الفلكلور و الرقص الشعبي و الشعر الملحون و اختطفوا منهم صفة أهل الثقافة و الأدب. و قد تحقق فيهم قول الشاعر في وجودهم و عدمه: و يقضى الأمر حيث تغيب تيم* و لا يستشارون و هم شهود.


إنه في الوقت الذي ننبهر بمقتنيات التكنولوجيا و العلوم الغربية من موبايل و سيارات و أجهزة إلكترونية التي صنعها المهندسون والأكاديميون و سجناء المختبرات في الغرب، و نحرص على تمجيد العلم و العلماء بلسان المقال، نقول بلسان الحال لأجيالنا الصاعدة إنه يمكنكم أن تشقّوا عالم الشهرة عن طريق كرة القدم و اللعب في الشوارع طول النهار لتنمية مهاراتكم، عسى أن تحضوا بلفتة من مديري أندية مرموقة فيعقد معكم صفقة العمر، و لنترك المشكلة للآباء و الأمهات الحريصين على مستقبل أبنائهم ليثبتوا لهم عكس ذلك!


إنه إذا قًدّر لزيدان أن يقابل رئيس دولة فيهديه حذاءه أو قميصه، و قدّر لأحد هؤلاء المفكرين أن يهدوا كتبهم لنفس الرئيس لحضي حذاء زيدان بمكانة متميزة في صالة الرئيس أو المسؤول بينما نشك أن تحظى كتب مفكرنا أو قلمه بنفس تل
mbibany
 
Messages: 695
Inscription: Jeu Mai 26, 2005 08:37

Messagede mbibany » Mer Jan 24, 2007 09:48



إنه إذا قًدّر لزيدان أن يقابل رئيس دولة فيهديه حذاءه أو قميصه، و قدّر لأحد هؤلاء المفكرين أن يهدوا كتبهم لنفس الرئيس لحضي حذاء زيدان بمكانة متميزة في صالة الرئيس أو المسؤول بينما نشك أن تحظى كتب مفكرنا أو قلمه بنفس تلك المكانة التي لحذاء زيدان.


إن ما آلت إليه أوضاعنا و قيمنا سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي من انقلاب فريد من نوعه من منظورنا التاريخي العربي. فقد حدث أن دخل هارون الرشيد مدينته بغداد بعد سفر طويل فوضع له موكب كبير و استقبلته الوفود على حافتي الشارع، ثم بعد أيام حدث أن سمع الناس بقدوم أحد العلماء الكبار عبد الله بن المبارك، فخرجت بغداد كلها لتستقبله في نفس المكان الذي مرّ منه هارون الرشيد، لكن الحشود كانت هائلة و الازدحام عظيما، و كانت زبيدة، زوجة هارون الرشيد تنظر من قصرها إلى تلك الحشود فقالت لإحدى الجاريات: إن هذا لهو المُلك حقا و ليس مُلك هارون! و لذلك فإن العهد العباسي رغم تفرد الملوك بالأمور كان كذلك عهد سيادة العلماء. إنه رغم ما اشتهرت به الحياة المدنية من زهو و مرح و وجود مشاهير الغناء مثل إبراهيم الموصلي و زرياب، فلم يذكر أن شهرة هؤلاء تجاوزت شهرة العلماء. بل كان هؤلاء يعتبرون من أهل المجون.


إن العالم الرأسمالي بما أحدثه من انزلاق القيم يقود البشرية حتما إلى الكارثة و يحمل في طياته بذور فنائه. ففقدان رأس المال العالمي لأدنى ضوابط الضمير و القيم و الوظيفة الاجتماعية، جعلت مبدأ المال من أجل المال من قواعد لعبة العولمة الجديدة. كيف يتصور أن تكون جائزة نوبل التي تجسّد أهم الاكتشافات و الإبداعات التي وصل إليها العلماء في التخلص من الأمراض و حفظ أرواح الملايين من البشر و دفع البشرية إلى حياة أفضل و ترقية الفكر و الأدب، لا تتجاوز في أحسن أحوالها مليون و ربع مليون دولار، بينما يصل عقد لاعب كرة القدم 46 مليون دولار (زيدان سنة 2004) و 45 مليون يورو (بيكام سنة 2005) و 50 مليون يورو (رونالدينهو 2006-2010)!


إن نفس هذه السياسة ستكرس على المستوى المحلي لبلداننا وضعية الجدب العلمي في بلداننا المتخلفة و بخس الفكر. فبلد زيدان الذي كان مكان تلقّي عالم الرياضيات الإيطالي العالمي فيبوناشي دراسته بمدينة بجاية في القرن الخامس عشر الميلادي، و مرتع ابن خلدون في شبابه، و البلد الذي ولد في عهد الاحتلال الفرنسي علماء عالميين، من أمثال الفيلسوف جاك دريدا و عالم الرياضيات ماندلبروت، لم يلد فترة ما بعد استقلاله التي تقترب من نصف قرن علماء بمستوى هؤلاء، و تكتفي بإنتاج مطربي الراي العالميين، و لاعبين دوليين. إن الوضع بالطبع لا يقتصر على بلد زيدان، و إنما يصدق كذلك على أمة زيدان، مع تقديري لهذا اللاعب المشهور.


---------------------------------------------------------------------------------------------------------
* جامعة البحرين

mbenhamouche@eng.uob.bh
mbibany
 
Messages: 695
Inscription: Jeu Mai 26, 2005 08:37


Retourner vers Analyses

Qui est en ligne

Utilisateurs parcourant ce forum: Aucun utilisateur enregistré et 2 invités

cron